الشيخ السبحاني
436
بحوث في الملل والنحل
هذه الأُمور السبعة تكفي العامّي فإن تعرض فيها لشبهة قادحة تمكن من حلها عن طريق القرينة الجلية « 1 » . إنّ ما ذكره ابن الوزير من أنّه يكفي العامّي الاعتقاد بالأُمور وإن كان أمراً صحيحاً ، لكن إلزام الجميع بالعمل على نمط واحد ، أمر لا يقبله العقل وهل يصح إيقاف البحث على وجوه أصحاب العقول والأدمغة الكبيرة ، كالفارابي وابن سينا ، وابن رشد والرازي ونصير الدين الطوسي ومن جاء بعدهم بحجّة أنّه يكفيهم تحصيل البرهان على الأُمور المذكورة . إنّ تحريم الحوار الصحيح والمناظرة المبنيّة على الأُسس الصحيحة ممّا دعى إليه الذكر الحكيم ، وأحاديث العترة الطاهرة وقد قدّمنا شيئاً من ذلك في غضون الأجزاء السابقة . أظنّ انّ الوزير تأثر بالتيار السلفيّ الذي أثاره ابن تيميّة ( 661 - 728 ه ) وتلميذه ابن القيّم ( ت 751 ه ) قريباً من عصره وبلغ إلى أرض الحجاز واليمن ، ولقد كانت الأذهان الساذجة ، أرضاً خصبة لتلك الفكرة فإنّها كانت تحمل حقاً وباطلًا فمن جانب تدعو إلى الاجتهاد الحرّ وترك التقليد ، لإمام من أئمة الفقه ، ومن جانب آخر ، يدعو إلى إغلاق العقل وإعدامه في مجال المعارف وتقليد حرفية النصوص الواردة فيها . وإن انتهى إلى القول بالتشبيه والتجسيم والجهة ، غاية الأمر يتبرّءون من مضاعفاتها ، بلفظ « بلا كيف » . إنّ ابن الوزير مع ذكائه وتوقّده ، تأثر بموجة الفكر السلفي ، وابتدع من حيث لا يشعر ، فزعم أنّ السلفية مذهب ، مع أنّه ليس بمذهب وليس السلف خيراً من الخلف ، ولا الخلف بأقصر منهم عقلًا ووعياً ، والحجّة هو الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل الصريح الذي لولاه ، لانسدّ باب المعرفة ، فما معنى ترجيح
--> ( 1 ) . إيثار الحقّ على الخلق .